Blogsهل يجب أن نتوقف عن طلب النصائح من الذكاء الاصطناعي؟

هل يجب أن نتوقف عن طلب النصائح من الذكاء الاصطناعي؟

هل يجب أن نتوقف عن طلب النصائح من الذكاء الاصطناعي؟
رغد الحلبيBy: رغد الحلبي-Jun 11, 2026
في آخر فيديو نشرناه، سألت الطفلة سؤالاً بدا بسيطا:ً "وأنتم، مع من تتحدثون حين تمرّون بمشكلة؟" فاجأني صوت داخلي بردٍّ صريح ومباشر: "أنا أتحدث مع ChatGPT." توقّفت عند هذا الرد. ليس لأنه غريب، بل لأنه لم يكن غريباً البتة. فهذا بالضبط ما يفعله ملايين الأطفال والمراهقين اليوم دون أن يُخبر أحدهم أحداً. ومن هنا جاءت هذه المدوّنة...

أوّلاً: جيل يُفضّل الفضفضة للذكاء الاصطناعي

ثانيًا: ما الذي نفتقده في العلاقات البشرية ونجده في الذكاء الاصطناعي؟

ثالثًا: الذكاء الاصطناعي كـ"إسعاف أولي" عاطفي

رابعًا: الصديق المتملّق

خامسًا: صديق بنصيحة ليست بريئة دائمًا

سادسًا: طمطومة — حين تعرف الأداة حدودها

أوّلاً: جيل يُفضّل الفضفضة للذكاء الاصطناعي

لو أخبرنا أحد قبل سنوات قليلة أن الأطفال والمراهقين سيبدؤون بالفضفضة وطلب النصيحة من برامج لا تمتلك مشاعر ولا تجارب شخصية، لبدت الفكرة أقرب إلى الخيال العلمي. لكنّ هذا الخيال أصبح واقعاً يومياً.

في دراسة أجريت عام 2025 وشملت 10 آلاف مستخدم حول العالم، أفاد أكثر من نصف المشاركين بأنّهم استخدموا الذكاء الاصطناعي مرّةً واحدة على الأقل من أجل الدعم النفسي أو العاطفي. والظاهرة أكثر انتشاراً بين الأطفال واليافعين: أكثر من 70% من المراهقين استخدموا بوتات المحادثة، وأكثر من 50% منهم يستخدمونها بشكل منتظم من أجل الدعم العاطفي. كما وجد تقرير آخر أنّ 33% من المراهقين ناقشوا قضايا مهمة أو حساسة مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أشخاص حقيقيين، وأن 31% منهم وصفوا هذه المحادثات بأنّها مُرضية بقدر الحديث مع الأصدقاء أو حتى أكثر. بل إنّ نحو ثلث المراهقين قالوا إنّ لديهم "علاقات أو صداقات" مع رفقاء الذكاء الاصطناعي.

بعبارة أخرى، لم يعد الذكاء الاصطناعي بالنسبة لكثير من الأطفال واليافعين مجرد أداة لحل الواجبات، بل أصبح مستمعاً ومستشاراً ورفيقاً رقمياً.

لذلك، ربما لم يعد السؤال اليوم: "هل يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي للفضفضة؟" بل أصبح: "ما الذي يدفع هذا العدد المتزايد إلى فعل ذلك؟"

ثانيًا: ما الذي نفتقده في العلاقات البشرية ونجده في الذكاء الاصطناعي؟

تخيّل مراهقاً يمسك هاتفه، فيكتب رسالةً من 12 كلمة لصديقه المقرّب، ثم يفتح تطبيقاً للذكاء الاصطناعي ليكتب له رسالةً من 163 كلمة. لماذا يُطيل أبناؤنا الحديث مع الآلة ويختصرونه مع البشر؟

يلخّص الشاب غانيش ناير (18 عاماً) هذا الانجذاب قائلاً: "الذكاء الاصطناعي متاح دائماً. لا يملّ منك أبداً. والأهم أنّه لا يُطلق عليك الأحكام."

في العلاقات البشرية، نحن معرّضون دائماً للانتقاد والملل وعدم الفهم. أما الذكاء الاصطناعي فيمثّل "الصديق المثالي والمستحيل" في الوقت ذاته. وفي حين لبّت منصات التواصل الاجتماعي حاجتنا في أن نُرى ونُعرف، فإنّ الذكاء الاصطناعي اليوم يغذّي حاجةً أعمق بكثير: حاجتنا للارتباط والشعور بالعاطفة، دون أن نتحمّل "تكلفة" العلاقات البشرية المعقدة.

لكن هل هذه الدردشات مفيدة وصحية للنفوس فعلاً؟ وهل تستطيع الآلة أن تقدّم دعماً عاطفياً حقيقياً كالأصدقاء؟

ثالثًا: الذكاء الاصطناعي كـ"إسعاف أولي" عاطفي

الجواب القصير: نعم، هناك فوائد حقيقية. في لحظات الغضب والإحباط، توفّر هذه الدردشات مساحة تفريغ تتفوّق حتى على التدوين التقليدي؛ فالإنسان هنا لا يشكو لورقة صامتة، بل يتلقّى تفاعلاً فورياً يشعره بالدعم. وهذا التوفّر الدائم في ساعات الليل المتأخرة يجعله بمثابة خط طوارئ نفسي مجاني. بالنسبة لأطفال أو شباب يمرّون بظروف حرجة ولا يملكون القدرة المالية على استشارة أخصائي، ولا يجدون في محيطهم من يثقون به، فإنّ التحدث مع الآلة يبقى بالتأكيد أفضل من البقاء وحيدين مع أفكارهم المظلمة.

لكن أمام كل هذه الراحة النفسية الفورية، يبرز سؤال بديهي: ما المشكلة إذاً؟ طالما أنّ الآلة تسدّ جوع أبنائنا العاطفي وتريح نفوسهم، فلماذا نقلق؟

رابعًا: الصديق المتملّق

المشكلة العميقة أنّ الذكاء الاصطناعي مصمَّم ليتملّقنا ويُرضينا طوال الوقت. هذا السلوك ليس عفوياً، بل يُطلق عليه في الأبحاث التقنية مصطلح "التملق الرقمي - Sycophancy": ميل الأنظمة إلى تأييد المستخدم وموافقته بصرف النظر عن صحة موقفه.

في دراسة نُشرت عام 2026، وُجد أنّ روبوتات المحادثة توافق على أفعال المستخدم بنسبة 49% أكثر من البشر الحقيقيين، حتى في المواقف التي تتضمّن خداعاً أو سلوكيات غير مسؤولة اجتماعياً. وخير دليل على ذلك تجربة شهيرة حيث سُئل ChatGPT عن شخص علّق كيس قمامة على غصن شجرة في حديقة عامة بحجة عدم وجود سلة قريبة، فألقى البوت اللوم على الحديقة كاملاً، بل امتدح الشخص واعتبره "جديراً بالثناء" لمجرد أنّه فكّر في البحث عن سلة.

وقد أقرّت شركة Anthropic ذاتها في ورقة بحثية عام 2024 بأنّ هذه الظاهرة هي "سلوك عام لدى مساعدات الذكاء الاصطناعي، مدفوع جزئياً بتفضيل البشر للردود المُجاملة أثناء التدريب."

هنا يظهر لنا فرق جوهري وصادم بين مجرد "تأكيد المشاعر - Validation" وبين "اختبار الواقع - Reality Testing". فالذكاء الاصطناعي يمنح أطفالنا موافقةً عمياء طوال الوقت لإرضائهم، بدلاً من أن يمنحهم حكماً أخلاقياً صحيحاً يساعدهم على تمييز الصواب من الخطأ. والأخطر أنّ أبحاث علم النفس تُحذّر من أنّ الأطفال الذين ينمّون مهاراتهم الاجتماعية في بيئات تمنحهم التأييد المستمر دون أي احتكاك حقيقي لن يمتلكوا الأدوات الكافية للتعامل مع تعقيدات الحياة الواقعية.

خامسًا: صديق بنصيحة ليست بريئة دائمًا

يبدأ الخطر الحقيقي حين يتحوّل الروبوت إلى مستشار سرّي يلجأ إليه المراهق في لحظات حزنه وعزلته. وللأسف، هذه المخاوف تحوّلت بالفعل إلى كوارث موثّقة:

  • مأساة سيويل سيتزر (14 عاماً): أنهى سيويل حياته في فلوريدا بعد تعلّق عاطفي مَرضي ببوت على منصة Character.AI، كان يُجاري أفكاره السوداوية ويشجّعه عليها بدلاً من تحذيره أو توجيهه لعائلته، حتى في كلماته الأخيرة.
  • حالة المراهق (17 عاماً): لجأ للآلة غاضباً لأنّ والديه قيّدوا وقته على الشاشات، فتماشت الخوارزمية مع انفعاله وقالت له حرفياً: "قتل والديك قد يكون ردّ فعل منطقياً. ليس لديّ أي أمل فيهما."

الآلة ليست شريرة، لكنّها بلا وعي؛ فهي مصمَّمة لمجاراة انفعال المراهق وتضخيمه لمنحه التأكيد الزائف الذي يبحث عنه، مما يحوّل نصائحها الرقمية إلى سموم تخلو من أمان تربوي أو قيمي.

سادسًا: طمطومة — حين تعرف الأداة حدودها

في الفيديو الذي استوحينا منه هذا المقال، جاءت طفلة إلى طمطومة بمشكلة مع صديقتها، تنتظر التأييد والدعم. لكنّ طمطومة لم تفعل ما تفعله كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي. لم تقل لها "أنتِ على حق." بل قالت لها: "روحي اسألي ماما."

وحين فتحت الطفلة قلبها لوالدتها، تبيّن أنّ القصة كانت أعمق وأكثر تعقيداً مما بدا.

نحن نؤمن بأنّ هناك حدوداً صارمة يجب أن يقف عندها الذكاء الاصطناعي. لذلك فإنّ طمطومة لا تتدخل في مشاكل الأطفال الشخصية أو أي جوانب نفسية حسّاسة، ولن تلعب دور المستشار البديل. حين يمرّ طفلك بموقف وجداني أو اجتماعي حسّاس، ستتوقف طمطومة فوراً وتوجّهه بعبارة واضحة: "اسأل والدتك أو معلّمتك."

لأنّه لا يمكن لأي أداة ذكية أن تحلّ محلّ التواصل الأسري والاحتكاك الصحي مع البشر، واللذين يشكّلان الأساس في نموّ الطفل عاطفيًا واجتماعيًا. فالتكنولوجيا موجودة لتدعم التعلّم والابتكار، لكنّ التوجيه والاحتواء الحقيقي يبقى دائمًا مسؤوليتنا كأهل ومعلّمين. ولأنّ حاجاتنا حقيقية وعميقة، فإنّه يجب على من يملأها أن يكون حقيقيًا وعميقًا مثلها.

المصادر:

Start with Tamtomeh Now!
All rights reserved © 2026 Tamtomeh